الصامتون بين رؤية الحق والتخاذل

الصامتون بين رؤية الحق والتخاذل

في زوايا الحياة، هناك فئة من الناس لا يُلتفت إليهم كثيرًا، ولا يُسمع لهم صوت في ضجيج الأحداث. إنهم الصامتون. أولئك الذين يرون الحق واضحًا أمامهم، ويدركون الباطل حين يمر من أمام أعينهم، لكنهم يختارون الصمت، أو ربما يُجبرون عليه. ليس لأنهم لا يملكون رأيًا، بل لأنهم في كثير من الأحيان يشعرون بالضعف، أو يثقلهم الانشغال، أو يقيّدهم الخوف.

الصامتون ليسوا بالضرورة جبناء، بل قد يكونون أناسًا مرهفين، يحملون في قلوبهم همومًا كثيرة، ويخشون أن يضيفوا إلى كاهلهم عبئًا جديدًا. أحيانًا، يكون الصمت خيارًا للهروب من مواجهة لا طاقة لهم بها، أو نتيجة شعور بالعجز أمام واقع لا يتغير بسهولة. وأحيانًا أخرى، يكون الصمت وسيلة لحماية النفس من أذى محتمل، أو للحفاظ على استقرار هش في حياتهم.

لكن مع تكرار الصمت، يتحول الأمر من مجرد موقف عابر إلى عادة راسخة. يصبح الصمت هو الرد التلقائي على كل ما يحدث حولهم. ومع الوقت، يبدأ الصامتون في فقدان إحساسهم بقيمتهم، ويشعرون أنهم مجرد أرقام في هذا العالم، لا تأثير لهم ولا وزن. يتسلل إليهم شعور التخاذل، ويبدأون في التساؤل: هل كان لصمتي معنى؟ هل كان لصمتي ثمن؟

في مجتمعاتنا، كثيرًا ما نرى الظلم يُمارس، والحق يُهدر، والباطل ينتصر، ليس فقط بسبب قوة الظالمين، بل أحيانًا بسبب صمت الكثيرين. الصامتون، رغم كثرتهم، لا يشكلون قوة ضغط، بل يصبحون جزءًا من المشكلة دون أن يشعروا. فالصمت في مواجهة الباطل، هو في حد ذاته موقف، حتى وإن لم يُعلن صاحبه ذلك.

أعلم جيدًا ما يعني أن تكون من الصامتين. أعترف أنني كنت واحدًا منهم، وربما ما زلت في كثير من المواقف. أرى الخطأ، وأشعر بالغضب، لكنني أختار الصمت، أحيانًا بدافع الخوف، وأحيانًا بدافع اليأس، وأحيانًا لأنني أظن أن صوتي لن يغير شيئًا. لكنني في لحظة صدق مع نفسي، أرفض أن أكون مجرد رقم في هذه الحياة. أرفض أن أعيش وأموت دون أن يكون لي أثر أو قيمة.

الحياة قصيرة، والفرص التي تمنحنا إياها قليلة. ربما لا نستطيع تغيير العالم، لكننا نستطيع أن نغير أنفسنا. نستطيع أن نكسر دائرة الصمت، ونبدأ في التعبير عن آرائنا، حتى وإن كان صوتنا ضعيفًا في البداية. فكل صوت، مهما كان خافتًا، يمكن أن يحدث فرقًا إذا اجتمع مع أصوات أخرى.

الصمت قد يكون أحيانًا حكمة، لكنه في كثير من الأحيان يكون تخاذلًا. علينا أن نراجع أنفسنا، ونسأل: هل صمتنا كان في محله؟ أم أننا كنا جزءًا من المشكلة بصمتنا؟ لا أريد أن أكون مجرد عابر في هذه الحياة، لا أريد أن أعيش وأموت دون أن أترك أثرًا، ولو كان بسيطًا. أريد أن أكون من الذين حاولوا، حتى وإن لم ينجحوا دائمًا.

في النهاية، أدعو نفسي وأدعو كل من يقرأ هذه الكلمات أن يراجع موقفه من الصمت. أن يسأل نفسه: متى يجب أن أتكلم؟ ومتى يكون الصمت خيانة للحق؟ فالحياة لا تقاس بعدد السنوات التي نعيشها، بل بما نتركه من أثر في قلوب الناس وفي ضمائرنا.