بين ذئبٍ كشف أنيابه وصحوةٍ تتشكل

بين ذئبٍ كشف أنيابه وصحوةٍ تتشكل

ليس الخلاف هنا اختلاف آراء عابرًا، ولا هو تباين رؤى يمكن التعايش معه بسلامٍ بارد. من نختلف معهم اليوم هم أنفسهم من يتصدرون الحكم، يمسكون بمقود القرار، ويصبّون على الوطن قراراتٍ مصيرية تُصاغ كما تُصاغ القيود: أنيقة في ظاهرها، خانقة في مآلاتها. لم يعودوا يناقشوننا، بل يفرضون رؤيتهم كقدرٍ لا يُراجَع، كأن البلاد ملكيةٌ خاصة ورثوها، لا أمانةٌ عامة تستردها الأمة متى شاءت.

نُتَّهَم بالخوف من الفتنة حين نرفع الصوت، كأنهم لا يعلمون أن الفتنة تولد أصلًا من رحم الظلم الطويل. يُطلَب منا أن نصمت باسم “الحكمة”، وأن نتجلّد باسم “السلامة”، وأن نقبل ما لا يُقبَل باسم “الاستقرار”. لكن أي استقرار هذا الذي يُقام على صدور الناس؟ وأي حكمة تلك التي تحوّل الصبر إلى إذعان، والاحتساب إلى توقيعٍ أبدي على مذلة مفروضة؟

حين جاء الربيع العربي لم يكن وعدًا بالجنة، لكنه فتح نافذةً في وطنٍ اختنق أهله. لم تكن الجماهير تحمل عصًا سحرية، لكنها كانت تحمل سؤالًا واحدًا لا يحتمل التأجيل: لمن تكون هذه البلاد؟ فلما هدأت الهتافات، وانفضّت الساحات، كشّر الذئب عن أنيابه. لم تأتنا المأساة من الربيع نفسه، بل من أولئك القابعين في ظلال الدولة العميقة، الذين قالوا للشعوب: أخطأتم حين انتفضتم، فذوقوا اليوم واقعًا أمرّ، لا لأن ما قبله كان خيرًا، بل لكي لا تفكروا مرة أخرى في كسر القيد.

ومنذ ذلك الحين، صار الحاضر أكثر قسوة. منظوماتٌ كاملة بُنيت على الإقصاء والقهر لا تتردد في استدعاء كل أدوات الانتقام حين ترى الناس يمدّون أيديهم نحو الحرية. رأينا بأعيننا كيف تُصاغ التهم كما تُقرأ النشرات الجوية: يوميًّا، وبلا حياء. وكيف تُدار الأوطان كأنها شركةٌ أمنية، وكيف يُسمّى الخنق “حماية”، والهيمنة “استقرارًا”.

وهكذا، فذلك الذئب الذي كشف أنيابه لم يُخيف الأحرار بقدر ما عجّل بصحوتهم، وأيقظ في الناس معنى أن يكونوا أصحاب هذا البيت، لا ضيوفًا فيه.

ما أراه أن هذه الأمة لا تستطيع أن تقف إلى الأبد مكتوفة اليدين. فالحياة التي تُشترى بالتنازل عن الحق لا تُسمّى حياة، بل إقامةً مؤقتة في ظلٍّ بارد. نعم، ثمة صحوةٌ قادمة؛ مخاضٌ لا خراب. ليست مجرد صرخة غضب، بل عودةٌ إلى الميزان: أن تقف مع الحق مهما تكن الكلفة، أو أن تصافح الباطل طلبًا لدنيا قصيرة، وتدفع ثمنها من دينك وكرامتك ومعنى وجودك. ففي أي فريقٍ أنت؟