نافذتي والحدود

نافذتي والحدود

ذهبت في رحلة إلى مدينة العقبة، تلك المدينة الساحلية التي تحتضن البحر وتفتح ذراعيها للجبال البعيدة. في صباح اليوم التالي لوصولي، استيقظت باكرًا على نسيم البحر العليل. فتحت نافذة غرفتي، ووقفت أتنفس هواء الصباح النقي.

نظرت إلى الأفق، فإذا بتلك الجبال الشامخة تلوح لي من بعيد، تقف هناك على الضفة الأخرى من البحر. كم هي جميلة! كم تمنيت أن أكون هناك، أن أعبر المسافة الفاصلة بيني وبينها، أن ألامس ترابها وأشعر بدفء أرضها. للحظة، شعرت أن كل شيء ممكن، أن الجغرافيا ليست سوى وهم، وأن القلب قادر على الطيران فوق كل الحواجز.

لكن سرعان ما اصطدمت أحلامي بجدار الواقع. تلك الجبال ليست مجرد تضاريس طبيعية، بل هي جزء من فلسطين المحتلة. وأنا هنا، على الضفة الأخرى، عاجز عن الوصول. شعرت بغصة في قلبي، وازداد حجم الجرح. ليس فقط لأنني لا أستطيع العبور، بل لأنني أعرف أن هناك، خلف تلك الجبال، إخوة لنا يُقتلون كل يوم، وأحلام تُسحق تحت وطأة الاحتلال.

وقفت عند نافذتي، أراقب الحدود الوهمية التي فرقت الأمة، وأشعر بالعجز يتسلل إلى روحي. حتى التفكير في أي شيء قد يلقي بي في أدراج الرياح، فالكلمة قد تصبح تهمة، والحلم قد يتحول إلى عبء ثقيل. هذا هو شعور الصامت، ذلك الإنسان الذي يرى كل صباح حدودًا رسمها الغاصبون، فمزقت الروح قبل أن تمزق الأرض.

تساءلت في داخلي: ما هو ذلك الانفصام النفسي الذي يعيشه أولئك الذين يسكنون قرب الحدود؟ كيف يمكن لإنسان أن يعيش كل يوم على مرأى من وطنه المسلوب، دون أن يقدر على لمسه أو حتى الاقتراب منه؟ وأي شعور يعتمل في صدر ذلك الجندي الذي يقف ممثلًا لأمر حماية تلك الحدود؟ أي صراع داخلي يعيشه بين الواجب والأخوة، بين الأوامر وصوت الضمير؟ وأي غضب يختبئ في أعماقه إن بقي فيه شيء من مروءة العرب؟

أغلقت نافذتي، لكن صورة الجبال بقيت محفورة في قلبي. أدركت أن الجرح سيبقى مفتوحًا ما دامت الحدود قائمة، وما دام الصمت سيد الموقف. ومع ذلك، بقي في داخلي أمل صغير، أن الحلم لا يموت، وأن الأمل سيبقى حيًا في قلوبنا، مهما طال الانتظار.