بين "ألف سنة إلا خمسين" وصوت غزة حين يطول الصمت حتى يصير خذلانا

بين "ألف سنة إلا خمسين" وصوت غزة حين يطول الصمت حتى يصير خذلانا

يحدّثنا القرآن عن نبيٍ صابرٍ قال الله فيه: فلبث فيهم ألف سنةٍ إلا خمسين عاماً. ليست الآية مجرد رقمٍ فلكيّ للعمر، بل مِعيار لطول الصبر واتساع صدر الدعوة، وكيف يمكن للحق أن يظلّ ينادي دهراً كاملاً فلا يجيبه إلا قليل. وما آمن معه إلا قليل؛ جملة قصيرة، لكنها تكشف أن الأكثرية قد تصمّ آذانها طويلاً حتى يغدو الحقّ غريباً في قومه.

اليوم، يعلو من غزة نداءٌ متكرر، ليس له ترف التسعمائة والخمسين عاماً. نداءٌ عمره الساعات الحرجة والأيام الثقيلة التي تتآكل تحت القصف والحرمان والتهجير. تنادي الأمة: أجيبوا، اشهدوا، ارفعوا الكلمة عن المظلوم. غير أن كثيراً منّا يمرّ بالنداء كأنّه صدى بعيد، وكأننا صمٌّ بكمٌ لا نكاد نفقه ما تقول الدماء ولا ما تُنطق به الدموع. هذا الصمت حين يطول لا يبقى حياداً؛ يصير خذلاناً صريحاً، ويغدو شراكةً في إطالة أمد الألم ولو بكلمةٍ محبوسة أو موقفٍ مؤجَّل.

إن للنداءات أعماراً، وللفرص آجالاً. حين تضيق نوافذ النجدة وتوشك مهلة الضمير على الانقضاء، يكون امتحان الأمة في أن تكون أمة حقاً: هل نصغي قبل أن يُغلَق الباب، أم نؤجل الاستجابة حتى تمرّ القافلة ولا يبقى إلا الأثر؟ إن التاريخ لا يعيد نفسه بالوجوه ذاتها، لكنه يعيده بالسنن: صبرٌ طويل من جانب المكلومين، وصممٌ طويل من جانب الأكثرين، ثم عاقبةٌ لا تُبقي ولا تذر في القيم والمعاني قبل أن تطال الحجر والبشر.

الطوفان الذي يُخشى اليوم ليس ماءً ينهمر من السماء، بل سيلٌ من فقدان المعنى إن اعتدنا المأساة، وطوفانٌ من القسوة إن ماتت الرحمة فينا، وخرابٌ يأكل الأخضر واليابس إن صار الظلم مألوفاً والصمت فضيلة زائفة. ذلك الطوفان لا يطرق الأبواب طويلاً؛ يكفيه أن يجد قلوباً باردة وألسنةً معقودة.

لسنا بحاجة إلى تسعمائةٍ وخمسين عاماً لنفهم الدرس. نحن بحاجة إلى يقظةٍ تُخرجنا من فرجة المتفرّج إلى ضمير الشاهد، ومن ترف التأجيل إلى واجب الاستجابة. ليس المطلوب أعجوبةً خارقة؛ المطلوب أن نكون من القليل الذين يصدّقون ما يعلنونه من قيم: أن الحياة تُقدَّم على الضجيج، والرحمة على البلاغة، والحق على الخوف. وما آمن معه إلا قليل… فلتكن من القليل الذين يجيبون النداء قبل أن تنقضي المهلة، ويغمرنا طوفان الصمت بما لا تُجدي بعده الكلمات.