"ما باليد حيلة "بين الوهم والابتلاء
كثيرًا ما نسمع العبارة الشائعة "ما باليد حيلة"، وكأنها قدَر مكتوب يعجز الإنسان عن تجاوزه. غير أن التعمّق في هذه الفكرة يكشف لنا أنها ليست دائمًا حقيقة، بل في كثير من الأحيان ذريعة نختبئ خلفها. فهناك عقبات حقيقية بلا شك، لكن في المقابل هناك عقبات نخلقها نحن بأنفسنا، إمّا لضعف في الإرادة أو لركون إلى الراحة أو حتى لقصور في إيماننا بقدراتنا وما وهبنا الله من طاقات.
الحدود الوهمية التي نصنعها بأنفسنا
من خلال خبرتي في إدارة الشركات، لاحظت أن كثيرًا من الموظفين يعتقدون أن قدراتهم تتوقف عند مستوى معين. بينما الواقع أن القدرة الحقيقية أبعد بكثير مما يظنون. غير أن البعض لا يريد أن يجهد نفسه ليطوّر ذاته، فيقف عند حدود أضعف مما يمكن أن يصل إليه. هنا يتضح أن المسألة مسألة دافع ورغبة أكثر مما هي مسألة إمكان.
الابتلاء صورة كاشفة للإنسان
ولله المثل الأعلى، إذا نظرنا إلى حياة المبتلين في صحتهم أو أحوالهم، قد نظن أنهم بلغوا أقصى درجات المعاناة، ومع ذلك نرى فيهم صبرًا ورباطة جأش عجيبة. بعضهم يواجه الابتلاء برضا يفتح له أبواب الطمأنينة، وبعضهم بحب للحياة يمده بطاقة لا تُوصف. هذا المشهد يعلّمنا أن الإنسان قادر على احتمال ما يعتقد أنه "مستحيل"، متى ما ارتبط قلبه بمعنى أكبر أو هدف أسمى.
بين صمت الأفراد وصمت المجتمعات
عبارة "هذا ما أستطيع" لا تنطبق فقط على الفرد في عمله أو حياته اليومية، بل تمتد لتشمل أمتنا حين نتقاعس عن نصرة المظلومين أو الوقوف في وجه الباطل. وهنا يكمن الخوف الأكبر: أن نصبح أسرى لعقلية "ما باليد حيلة"، فنكتفي بالمشاهدة ونصمت حتى ندفع ثمن تقصيرنا جماعيًا. فالابتلاءات الكبرى تكشف معادن الرجال، كما تكشف المواقف الفردية معدن الإنسان في تفاصيل حياته الصغيرة.
الخاتمة
إن تجاوز عتبة الاستسلام ليس أمرًا مستحيلاً، بل هو خيار يبدأ أولاً بإيماننا بقدرتنا، ثم بالبذل والصبر والارتباط بهدف أكبر من ذواتنا. فالإنسان الذي يوسّع مداركه ويحتسب جهده عند الله، سيتحوّل من شخص يرى العجز في كل زاوية إلى شخص يصنع الأثر مهما صغر. وفي النهاية، سيبقى صدقنا في مواجهة تفاصيل حياتنا الفردية مرآة لصدقنا في مواجهة ابتلاءات الأمة.